القيادة في الرياض- بين تحديات الفوضى وتطلعات السلامة للمرأة

المؤلف: هيلة المشوح08.30.2025
القيادة في الرياض- بين تحديات الفوضى وتطلعات السلامة للمرأة

تمثل الرياض، بصفتها عاصمة مترامية الأطراف وشديدة الازدحام، بشبكة طرقها السريعة والمتشعبة، تحديًا مستمرًا لكل من يقودها، رجلاً كان أو امرأة. ولقد كنت من أوائل المشجعين لدخول المرأة معترك القيادة، سعيًا للحد من أعداد السائقين الأجانب وتقليل الأعباء المالية الملقاة على كاهل الأسر، والتي تنوء بها نتيجة رواتبهم وتأشيراتهم ونفقاتهم المعيشية، بالإضافة إلى المشكلات والمسؤوليات المترتبة عليهم. وما زلت حتى يومنا هذا أرى في القيادة انفراجًا حقيقيًا، إذ فتحت لنا آفاقًا واسعة للتحرك بحرية ومرونة وخصوصية تامة.

لا جدال في أن الفوضى العارمة التي تعم شوارعنا لا تقتصر على جنس دون آخر، فالشباب، ويا للأسف، يقودون بتهور جم وعدم التزام صارخ وجسارة تبعث على الخوف والرهبة. ولكن من دواعي الإجحاف أيضًا تجاهل الواقع المرير الذي يطل برأسه في بعض الجوانب، مثل جهل بعض السيدات بأسس ومعايير القيادة السليمة، الأمر الذي جعل بعض التجارب المرورية معهن مصدرًا للقلق والريبة. فالقيادة ليست مجرد جلوس خلف عجلة القيادة وتحريك السيارة، بل هي وعي شامل بالنظام، والتزام راسخ بالقوانين، وقدرة فائقة على التفاعل الآمن مع كافة المؤثرات المحيطة. ويا للأسف، ما زالت بعض السائقات، خاصة أولئك اللاتي لم يتلقين تدريبًا وافيًا، يفتقدن إلى هذه المعايير الأساسية، بدءًا من الارتباك والتوقف المفاجئ وغير المنتظم، مرورًا بالتجاوزات غير القانونية، ووصولًا إلى قلة الخبرة في المواقف الطارئة. كلها مشاهد تتكرر، لا عن عمد في الغالب، بل بسبب ضعف المعرفة أو نقص الإعداد أو الخوف المفرط والتردد القاتل، وهذا الأخير يمثل كارثة بكل المقاييس.

لا تكمن المشكلة في كونهن "نساء"، بل في أن بعضهن، شأنهن شأن بعض الرجال، حصلن على رخص القيادة دون تأهيل حقيقي أو متابعة جادة أو تشجيع مستحق. وهذا ما يجب علينا الاعتراف به دون تحامل أو تملق، فكيف تُمنح الرخصة لمن لا تتقن قراءة اللوحات الإرشادية على الطريق، وكيف تجتاز اختبارات القيادة من لم تُختبر نفسيًا في قدرتها على اتخاذ القرار الصائب في أوقات الأزمات؟ أقول هذا الكلام مستندًا إلى شواهد حية من أرض الواقع وتجارب شخصية مؤلمة!

تتطلب الرياض، بما تحويه من تعقيدات مرورية وكثافة في الطرق، مهارات استثنائية في القيادة، وهي ليست بيئة مثالية لخوض تجارب القيادة الأولية. فتعقيدها الشديد وكثافتها المرورية الهائلة يستلزمان تأهيلاً صارمًا لا يعرف المجاملة ولا يقبل الاستعجال. وهنا لا يقع اللوم على السائق أو السائقة وحدهما، بل على من سمح بمنح الرخص قبل التأكد من الجاهزية التامة. ومع ذلك، تُزج بعض النساء، وخاصة الفتيات، في هذا المعترك دون تهيئة كافية، الأمر الذي ينتهي أحيانًا بحوادث وصدمات، ليست مرورية فحسب، بل نفسية أيضًا. وليس من العدل تغطية هذه الأخطاء بدافع العاطفة أو التحيز، فالتستر على الخطأ لا يخلق سائقًا أفضل ولا حياة آمنة، بل يزيد من حدة الفوضى والمخاطر. ولاستدراك هذا الخلل الذي تسرب إلى هذا المكسب الحضاري الرائع، وبسبب جهل بعض السائقات العزيزات بأساسيات القيادة وقواعد المرور، أصبحت بعض المشاهد اليومية تستدعي وقفة جادة وضبطًا لعدة نقاط جوهرية:

- تشديد اختبارات القيادة وإعادة تقييم شاملة لمنهجيات التدريب ومنح الرخص.

- تفعيل دور الأسر في التأكيد على أهمية التدريب الصحيح، والتوعية بأن الحصول على الرخصة لا يعني بالضرورة الجدارة الكاملة.

- ضرورة إدراك السائقات أنفسهن أن الطريق ليس حلبة لإثبات الذات، بل هو ميدان فسيح للمسؤولية والالتزام.

القيادة حق مشروع، وقيادة المرأة مكسب وطني واجتماعي عظيم، ولكن يجب أن تصاحبها ثقافة مرورية راقية، والأهم من ذلك أن يكون هذا الحق مشفوعًا بالوعي التام، والمهارة الفائقة، والإلمام الشامل بكافة القواعد والأنظمة!

سياسة الخصوصية

© 2025 جميع الحقوق محفوظة